يرى شادي إبراهيم، الباحث المشارك في مركز الإسلام والشؤون العالمية بجامعة إسطنبول صباح الدين زعيم، أن التطورات الأخيرة في اليمن، ولا سيما دخول قوات الحوثيين مدينة المخا، تكشف كيف يمكن للتحركات التكتيكية أن تحقق أهدافًا استراتيجية، في حين قد تؤدي المناورات الاستراتيجية إلى انتكاسات عملياتية. ويؤكد أن فهم المعارك الحالية يتطلب النظر إليها من منظور إقليمي واستراتيجي، لا باعتبارها مجرد صراع محلي، خصوصًا في ظل تنافس الحوثيين والقوى المدعومة من السعودية وتلك المدعومة من الإمارات على النفوذ والسيطرة.


ويتناول إبراهيم في مقاله المنشور في موقع «ميدل إيست آي» التداعيات العسكرية والجيوسياسية لتقدم الحوثيين في الساحل الغربي لليمن واقترابهم من باب المندب، محذرًا من أن السيطرة على هذا الممر البحري قد تغير موازين القوى بين إيران وخصومها، وتفرض تداعيات خطيرة على حركة التجارة والطاقة وقناة السويس.

 


المخا وباب المندب.. معركة تتجاوز السيطرة على مدينة


ينبغي النظر إلى المخا والجزر الواقعة قبالة سواحلها باعتبارها جزءًا من معركة على شبكة من الطرق والممرات البحرية، وليس مجرد مواجهة حاسمة للسيطرة على مدينة ضمن صراع محلي على السيادة تدعمه قوتان إقليميتان.


وتتجاوز أهمية المدينة موقعها الجغرافي أو منشآتها المينائية، إذ تشمل طريق الإمداد الذي يربط تعز بالساحل، والشريط الساحلي الغربي، ومداخل ذباب، وصولًا إلى الجانب اليمني من مضيق باب المندب.


وقطع التقدم الحوثي أحد أهم طرق الإمداد التي تربط تعز وداخل اليمن بالساحل الغربي، وهو ما يفسر التداعيات العسكرية التي ترتبت على سقوط المخا داخل اليمن.


وعلى المستوى الإقليمي، يمثل تقدم الحوثيين توسعًا للنفوذ الإيراني ونفوذ حلفائه. وتؤدي قدرتهم على ممارسة الضغط على ممرين مائيين استراتيجيين إلى تغيير التوازن الجيوسياسي والاستراتيجي والعسكري لمصلحة إيران في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما.


كما يكشف ما يجري عن انهيار تنظيمي في خطوط العمليات التابعة للقوات اليمنية المدعومة من السعودية وشركائها.


ولم يعد بالإمكان وصف سقوط المخا بأنه مجرد انتكاسة تكتيكية للقوات المناهضة للحوثيين على الساحل الغربي، إذ نقلت التطورات اللاحقة في ساحة المعركة، ولا سيما وصول القوات الحوثية إلى ذباب المطلة مباشرة على باب المندب، الصراع من مواجهة للسيطرة على مدينة وميناء إلى معركة مباشرة على المداخل البرية والبحرية لأحد أهم طرق الملاحة في العالم.


ويترتب على سقوط المخا تطور تكتيكي ذو تداعيات استراتيجية، إذ كشف هشاشة القوات التابعة لوزارة الدفاع اليمنية والفصائل المدعومة من السعودية والإمارات.


ولا يزال من المبكر تحديد المسار العملياتي للحرب. وقد يدفع تقدم الحوثيين السعودية والولايات المتحدة، وربما إسرائيل، إلى رد قوي، فيما شنت القوات السعودية بالفعل غارات جوية على مطار المخا.


ويطرح الوضع ثلاثة مستويات لفهم مسار الحرب؛ يتعلق أولها بالسيطرة على الأراضي وساحة المعركة، بينما يرتبط الثاني بالقدرة على استخدام الساحل القريب من باب المندب منصة لتهديد التجارة البحرية واستهداف السفن الحربية وحاملات الطائرات. أما المستوى الثالث، فيتعلق باستخدام باب المندب ورقة ضغط في المواجهة الإقليمية الأوسع بين إيران وخصومها.


ويتيح كل مستوى زاوية مختلفة لتقييم المسارين المحلي والإقليمي للحرب، وفهم تداعياتها من المنظورين الاستراتيجي والتكتيكي.


وحققت جماعة الحوثيين عدة أهداف مهمة في ساحة المعركة على المستوى العملياتي. فعززت أولًا سيطرتها على المناطق الواقعة جنوب الحديدة، التي بدت في وقت سابق معرضة للسقوط، كما أضعفت خطوط الإمداد بين تعز والساحل الغربي، ما قد يفتح الطريق أمام مزيد من التقدم نحو الداخل.


كما عنى الاستيلاء على المخا السيطرة على مركز للقيادة والإمداد تستخدمه القوات المناهضة للحوثيين. وجاء التقدم باتجاه جزيرة ميون والمداخل المباشرة إلى باب المندب نتيجة لهذه المكاسب السابقة، ما منح الحوثيين قدرة أكبر على المراقبة والإكراه وإظهار القوة والتهديد، حتى دون فرض سيطرة مادية كاملة على حركة الملاحة.


وشن المعسكر المناهض للحوثيين هجومه ضمن حملة معقدة متعددة الجبهات شملت تعز والحديدة والضالع والبيضاء ومأرب وشبوة والجوف، فيما بدا أن هدفها استنزاف الحوثيين ومنعهم من تركيز قواتهم بالكامل على الساحل الغربي.


وقدّر مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة مقتل 276 شخصًا خلال خمسة أيام من التصعيد بين 3 و7 سبتمبر.


لكن هذه العمليات والتكتيكات كشفت فشلًا كبيرًا للسعودية وحلفائها في بناء استراتيجية عسكرية متماسكة، ولا سيما على المستوى الإقليمي.


ومنذ 7 أكتوبر 2023، أظهرت القدرات العملياتية للحوثيين ودقة استهدافهم فعالية كبيرة، إلا أن السعودية تبدو وكأنها لم تستوعب هذا الدرس، إذ بنت استراتيجيتها على تقييمات متفائلة وغير دقيقة.


كما يشير قرار شن العملية المناهضة للحوثيين قبل الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية المقبلة إلى أن البعد السياسي للاستراتيجية العسكرية لا يخدم أهدافًا واضحة تجاه إيران. وتزامن توقيت العملية بدلًا من ذلك مع مزيد من التماسك بين الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين بدتا أكثر استعدادًا للانخراط بصورة مباشرة في اليمن.


ويمثل الهجوم كذلك اختبارًا حقيقيًا لاتفاق الدفاع الخاص بمكة، الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان الشهر الماضي.

 


تقدم الحوثيين يختبر قدرتهم على تحويل الزخم إلى سيطرة مستدامة


يمثل التقدم السريع نحو ذباب نجاحًا عملياتيًا لأنصار الله، لكنه يضع الجماعة في الوقت نفسه أمام تحدٍ أكثر صعوبة، يتمثل في قدرتها على تحويل زخم المعارك إلى سيطرة مستدامة.


وتطول خطوط إمداد الحوثيين كلما تقدموا جنوبًا، فيما تصبح مواقعهم أكثر عرضة للغارات الجوية والعمليات البحرية والهجمات المضادة. كما تتطلب السيطرة على المخا وذباب إدارة مناطق جديدة وتأمين الطرق والموانئ والبنية التحتية والتعامل مع السكان المحليين والمجتمعات النازحة، بدلًا من الاكتفاء بشن هجوم عسكري.


ورجّح الكاتب أن تكون الضربات السعودية على مطار المخا استهدفت تدمير البنية التحتية التي يمكن أن يستخدمها الحوثيون لحشد القوات والطائرات المسيرة والذخائر.


وقد يكون سحب القوات المدعومة من السعودية من المخا منطقيًا من الناحية التكتيكية إذا كان الهدف الحفاظ على القوات وإعادة تنظيمها، لكنه يظل مكلفًا سياسيًا وعسكريًا، لأنه منح الحوثيين زخمًا سريعًا وسمح لهم بنقل المعركة باتجاه باب المندب.


وتتمثل إحدى المشكلات الرئيسية في أن المعسكر المناهض للحوثيين لا يشكل قوة موحدة، بل يضم مجموعة من الأطراف التي تتقاطع مصالحها دون أن تتطابق بالكامل. ويشمل ذلك السلطات المعترف بها دوليًا، وقوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح، والتشكيلات المتمركزة في تعز، والقوات الجنوبية، وعددًا من القوى القبلية والمحلية، إلى جانب السعودية والإمارات اللتين تتبنيان رؤيتين مختلفتين لليمن.


وتركز بعض هذه القوات على استعادة الدولة المركزية، بينما تسعى أخرى إلى الحفاظ على الحكم الذاتي للجنوب، في حين تهتم أطراف أخرى بالدرجة الأولى بالموانئ والساحل والنفوذ المحلي.


وتزداد كلفة هذه الانقسامات كلما اقتربت المعركة من باب المندب.


لذلك، لا يقتصر السؤال الحاسم على قدرة القوات المناهضة للحوثيين على وقف تقدم الجماعة، بل يمتد إلى قدرتها على إنشاء قيادة ميدانية موحدة تتجاوز الانقسامات السياسية والتنافس بين رعاتها الإقليميين.

 


باب المندب يعيد تشكيل موازين القوى ويهدد قناة السويس


يهدد وصول الحوثيين إلى ذباب وتقدمهم باتجاه باب المندب مسار السعودية الأقل تعرضًا للاضطراب في صادرات النفط، ولا سيما في ظل امتلاك إيران نفوذًا كبيرًا على مضيق هرمز. وقد تجد الرياض نفسها مضطرة إلى التدخل بصورة مباشرة لتجنب تعرضها للضغط عند الممرين المائيين في آن واحد.


وبحسب تقرير نشره موقع «أكسيوس»، طلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شن ضربات ضد الحوثيين، لكن ترامب رفض التدخل العسكري المباشر في الوقت الراهن. وأفادت التقارير بأن واشنطن أبدت بدلًا من ذلك استعدادها لتزويد السعودية بمعلومات استخباراتية وبيانات استهداف.


ويشير ذلك إلى رغبة السعودية في توسيع الدعم الدولي لعملياتها، بينما تفضل الولايات المتحدة حصر دورها في حماية حرية الملاحة وتقديم المساعدة غير القتالية، تجنبًا لفتح جبهة مباشرة جديدة في اليمن.


ويعيد طلب محمد بن سلمان السعودية عمليًا إلى نقطة البداية في الأيام الأولى للحرب اليمنية عام 2015. فبعد أن تعلم السعوديون درسًا قاسيًا عندما استخدمت إدارة بايدن الصراع ضدهم، يجدون الآن أن شيئًا لم يتغير كثيرًا، وأن الاعتماد على دعم ترامب لم يعد خيارًا مضمونًا.


وبالتالي، قد يتمكن الحوثيون من توجيه ضربات قاسية إلى البنية التحتية للطاقة في عمق الأراضي السعودية، ما قد يدفع الرياض إلى قبول الوضع القائم على مضض، كما حدث في الماضي.


أما بالنسبة إلى الإمارات، فيشكل سقوط المخا ضربة مباشرة للنموذج الذي استثمرت فيه على طول الساحل الغربي لليمن، والقائم على دعم شركاء محليين قادرين على حماية الموانئ والطرق البحرية ومواجهة الحوثيين.


ويثير ذلك تساؤلات حول مدى استدامة شبكة النفوذ الساحلي التي بنتها أبوظبي، وما إذا كانت القوات المرتبطة بها قادرة على مواصلة القتال دون دعم مالي وعسكري مستمر.


وربما يتعلق السؤال الأهم بدور الأيديولوجيا في تشكيل الفاعلية القتالية على الأرض. فقد تنقلت قوات صالح بين معسكرات مختلفة، ما تركها مجزأة وعرضة للخطر أمام حركة حوثية تمتلك رؤية متماسكة ومشروعًا سياسيًا إقليميًا.


وبالنسبة إلى مصر، قد يؤدي تقدم الحوثيين إلى خلق تهديد شبه دائم للمضيق، ما قد يدفع مزيدًا من السفن إلى تغيير مسارها حول رأس الرجاء الصالح، ويقلل حركة الملاحة عبر قناة السويس ويضر بإيراداتها.


لكن الخطر الأكبر يكمن في تطبيع بيئة أمنية تستطيع فيها جماعة شبه عسكرية رفع تكلفة المرور، وتحديد فئات السفن التي يمكن استهدافها، وفرض مخاطر متغيرة باستمرار على حركة التجارة وتدفقات الطاقة.


وحتى إذا أصر الحوثيون على عدم استهداف السفن غير المرتبطة بالسعودية، فإن شركات الشحن والتأمين تبني قراراتها على مستويات المخاطر، وليس على الضمانات السياسية وحدها.


ومن شأن كل ذلك أن ينعكس سلبًا على الاقتصاد العالمي الذي يعاني أصلًا من التضخم وأزمات كبرى.


وسيؤدي فقدان السيطرة على باب المندب إلى خلق نقطة اختناق جيوسياسية كبرى، ما يرفع أسعار الطاقة، ويؤخر صادرات النفط والغاز، ويزيد أقساط التأمين البحري، ويدفع السفن إلى تغيير مساراتها حول رأس الرجاء الصالح، ويعطل سلاسل الإمداد وتجارة الحاويات.


وعلى الجانب الآخر، يمثل تقدم الحوثيين مكسبًا استراتيجيًا لإيران، حتى إذا لم تدِر طهران العملية بصورة مباشرة. فوجود قوة حليفة على ساحل باب المندب، بالتزامن مع قدرة إيران على تعطيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، يمنح طهران وسيلة للضغط على طرفي شبه الجزيرة العربية.


وبذلك تستطيع إيران الاستفادة من الضغوط التي يفرضها الحوثيون، دون تحمل المسؤولية المباشرة عن إغلاق المضيق أو نشر قوات تقليدية فيه.


وعقب سقوط المخا، دعت وزارة الخارجية الإيرانية السعودية إلى إنهاء حصار المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين والعودة إلى المفاوضات. ويعكس ذلك النهج الإيراني الأوسع القائم على تأمين المكاسب الاستراتيجية وترسيخها دون الدخول في حرب مفتوحة، بما يسمح لطهران بالحفاظ على ما حققته والاستعداد للمرحلة المقبلة من المواجهة.


وسينعكس كل ذلك سلبًا على الاقتصاد العالمي الذي يعاني أصلًا من التضخم وأزمات كبرى.


وسيؤدي فقدان باب المندب إلى خلق نقطة اختناق جيوسياسية كبرى، ما يرفع أسعار الطاقة، ويؤخر صادرات النفط والغاز، ويزيد أقساط التأمين البحري، ويدفع السفن إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ويعطل سلاسل الإمداد وتجارة الحاويات.

 

https://www.middleeasteye.net/opinion/what-would-houthi-control-bab-al-mandeb-mean-region